فصل: استيلاء الأتابك زنكي على مدينة حلب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


 انتقاض سليمان بن أبي الغازي بحلب

كان أبو الغازي قد ولي على حلب ابنه سليمان فحمله بطانته على الخلاف على أبيه‏.‏ وسار إليه أبوه تلقاه ابنه سليمان بالمعاذير فأمسك عنه وقبض على بطانته الذين داخلوه في ذلك‏.‏ وكان متولي كبرها أمير كان لقيطاً لأبيه ونشأ في بيته فسمله وقطع لسانه‏.‏ وكان منهم آخر من أهل حماة قدمه أبو الغازي على أهل حلب فقطعه وسمله فمات وأراد قتل ابنه‏.‏ ثم ثنته الشفقة عليه وهرب إلى دمشق وشفع فيه طغركين فلم يشفعه‏.‏ ثم استخلف على حلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار ولقبه بدر الدولة وعاد إلى ماردين وذلك سنة خمس عشرة ثم ابنه حسام الدين تمرتاش مع القاضي بهاء الدولة أبي الحسن الشهرزوري شافعاً في دبيس وضامناً في طاعته فلم يتم ذلك‏.‏ فلما انصرف تمرتاش إلى أبيه اقطع السلطان أباه أبا الغازي مدينة ميافارقين‏.‏ وكانت لسقمان القطبي صاحب خلاط فتسلمها أبو الغازي ولم تزل في يده إلى أن ملكها صلاح الدين بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة والله تعالى أعلم‏.‏ واقعة مالك بن بهرام مع جوسكين صاحب الرها قد تقدم لنا أن جوسكين من الإفرنج كان صاحب الرها وسروج وأن مالك بن بهرام كان قد ملك مدينة عانة فسار سنة خمس عشرة إلى الرها وحاصرها أياماً فامتنعت عليه وسار جوسكين في اتباعه بعد أن جمع الإفرنج وقد تفرق عن مالك أصحابه‏.‏ ولم يبق معه إلا أربعمائة فلحقوه في أرض رخوة قد نضب عنها الماء فوحلت فيها خيولهم ولم يقدروا على التخلص فظفر بهم أصحاب مالك وأسروهم وجعل جوسكين في إهاب جمل وخيط عليه وطلبوا منه تسليم الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت بعد أن بذل في فديته أموالاً فلم يفادوه والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده‏.‏

 وفاة أبي الغازي وملك بنيه من بعده

ثم توفي أبو الغازي بن أرتق صاحب ماردين في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة فولي بعده بماردين ابنه حسام الدين تمرتاش وملك سليمان ميافارقين‏.‏ وكان بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار فاستولى عليها‏.‏ ثم سار مالك بن بهرام بن أرتق إلى مدينة ران فحاصرها وملكها‏.‏ وبلغه أن سليمان ابن عمه عبد الجبار صاحب حلب قد عجز عن مدافعة الإفرنج وأعطاهم حصن الاماري فطمع في ملك بلاده وسار إليها في ربيع سنة عشرة وملكها من يده على الأمان‏.‏ ثم سار سنة ثمان عشرة إلى منبج وحاصرها وملك المدينة وحبس صاحبها حسان التغلبي‏.‏ وامتنع أهلها بالقلعة فحاصرها وسمع الإفرنج بذلك فساروا إليه فترك على القلعة من يحاصرها ونهض إليهم فهزمهم وأثخن فيهم وعاد إلى منبج فحاصرها‏.‏ وأصاحبه بعض الأيام سهم غرب فقتله فاضطرب العسكر فترقوا وخلص حسان من محبسه‏.‏ وكان تمرتاش ابن أبي الغازي صاحب ماردين معه على منبج فلما قتل حمل شلوه إلى حلب ودفنه بها واستولى عليها‏.‏ ثم استخلف عليها عاد إلى ماردين وجاء الإفرنج إلى مدينة صور فملكوها وطمعوا في غيرها من بلاد المسلمين‏.‏ ولحق بهم دبيس بن صدقة ناجياً من واقعته مع المسترشد فأطمعهم في ملك حلب وساروا معه فحاصروها وبنوا عليها المساكن‏.‏ وطال الحصار وقلت الأقوات واضطرب أهل البلد وظهر لهم العجز من صاحبهم ولم يكن في الوقت أظهر من برسقي صاحب الموصل ولا أكثر قوة وجمعاً منه فاستدعوه ليدافع عنهم ويملكوه‏.‏ وشرط عليهم أن يمكنوه من القلعة قبل وصوله‏.‏ ونزل فيها بوابه وسار فلما أشرف على الإفرنج ارتحلوا عائدين إلى بلادهم‏.‏ وخرج أهل حلب فتلقوا البرسقي فدخل واستولى على حلب وأعمالها ولم تزل بيده إلى أن هلك وملكها ابنه عز الدين‏.‏ ثم هلك فولى السلطان محمود عليها أتابك زنكي حسبما يأتي في أخبار دولته‏.‏ ورجع تمرتاش إلى ماردين واستمر ملكه بها وكان مستولياً على كثير من قلاع ديار بكر‏.‏ استولى سنة اثنتين ثلاثين على قلعة الساج من ديار بكر وكانت بيد بعض بني مروان من بقايا ملوك الأولين‏.‏ وكان هذا آخرهم بهذه القلعة وكان ملك ميافارقين قد سار لحسام الدين تمرتاش وملكها من يد أخيه سليمان ولم يزل تمرتاش ملكاً بماردين إلى أن هلك سنة سبع وأربعين وخمسمائة لإحدى وثلاثين سنة من ملكه والله تعالى ولي التوفيق‏.‏ ثم توفي حسام الدين تمرتاش سنة سبع وأربعين وخمسمائة كما قلنا فملك بعده ابنه بماردين ألبي بن تمرتاش وبقي ملكاً عليها إلى أن مات وولي بعده ابنه أبو الغازي بن ألبي إلى أن مات‏.‏ ولم يذكر ابن الأثير تاريخ وفاتهما‏.‏ وقال مؤرخ حماة لم يقع إلى تاريخ وفاتهما‏.‏

 ولاية حسام الدين بولق أرسلان بن أبي الغازي بن ألبي

ولما توفي أبو الغازي بن ألبي قام بأمر ملكه نظام الملك البقش ونصب للملك مكانه ابنه بولق أرسلان طفلاً واستبد عليه‏.‏ وكان البقش غالباً على هواه حيث صار أمر الطفل في يده‏.‏ ولم تزل حالهم على ذلك إلى أن هلك حسام الدين في سنة خمس وتسعين وخمسمائة على عهد بولق هذا وكناه ابن الأثير حسام الدين ناصراً الملك قصد العادل أبو بكر بن أيوب ماردين وخشيت ملوك الجزيرة ولم يقدروا على منعه‏.‏ ثم توفي العزيز بن صلاح الدين صاحب مصر وولي أخوه الأفضل فاستنفر العادل أهل مصر ودمشق وأهل سنجار وبعثهم مع ابنه الكامل وحاصروا ماردين فبعث إليه البقش المستولي على بولق بالطاعة وتسليم القلعة لأجل معلوم على أن يدخل إليهم الأقوات‏.‏ ووضع العادل ابنه على بابها أن لا يدخلها زائد على القوت فصانعوا الولد بالمال وشحنوها بالأقوات‏.‏ وبينما هم في ذلك جاء نور الدين صاحب الموصل لإنجادهم وقاتلهم فانهزم عساكر العادل وخرج أهل القلعة فأوقعوا بعسكر الكامل ابنه فرحلوا جميعاً منهزمين‏.‏ ونزل حسام الدين بولق إلى نور الدين ولقيه وشكر وعاد‏.‏ ونزل نور الدين على دبيس ثم رحل عنها قاصداً حوران كما نذكره في أخبار دولته إن شاء الله تعالى والله أعلم‏.‏

 وفاة بولق وولاية أخيه أرتق

ولما هلك بولق أرسلان نصب لؤلؤ الخادم بعده للملك أخاه الأصغر ناصر الدين أرتق أرسلان بن قطب الدين أبي الغازي‏.‏ ولم يذكر ابن الأثير خبر وفاته أيضاً وبقي مملكاً في كفالة البقش إلى سنة إحدى وستمائة والله أعلم‏.‏

 مقتل البقش واستبداد أرتق المنصور واتصال الملك في عقبه

ثم استنكف أرتق من الحجر ومرض البقش سنة إحدى وستمائة فجاء أرتق لعيادته وقتل لؤلؤ خادمه في بعض زوايا بيته ورجع إلى البقش فقتله في فراشه استقل بملك ماردين وتلقب المنصور وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وملك بعده ابنه لسعيد نجم الدين غازي بن أرتق وتوفي سنة ثمان أو ثلاث وخمسين وملك بعده أخوه المظفر قرا أرسلان بن أرتق فأقام سنة أو بعضها‏.‏ ثم هلك سنة ثلاث وسبعين وستمائة وملك بعده أخوه المنصور نجم الدين غازي بن قرا أرسلان إلى أن توفي سنة اثنتي عشرة سبعمائة لأربع وخمسين سنة من ولايته‏.‏ وملك بعده ابنه المنصور أحمد إلى أن توفي سنة تسع وستين لثلاث سنين من ولايته‏.‏ ثم ملك بعده ابنه الصالح محمود أربعة أشهر وخلعه عمه المظفر فخر الدين داود المنصور أحمد إلى أن توفي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وملك بعده ابنه مجد الدين عيسى وهو السلطان بماردين لهذا العهد‏.‏ والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده‏.‏ ولما ملك هلاكو بن طلوخان بن جنكزخان مدينة بغداد وأعمالها أعطاه المظفر قرا أرسلان طاعته وخطب له في أعماله ولم يزالوا يدينون بطاعة بنيه إلى أن هلك أبو سعيد بن خربهر آخر ملوك التتر ببغداد سنة سبع وثلاثين فقطعوا الخطبة لهم واستبد أحمد المنصور منهم وهو الثاني عشر من لدن أبي الغازي جدهم الأول‏.‏ وأما داود بن سقمان فإنه ملك حصن كيفا من بعد سقمان أبيه وإبراهيم أخيه ولم أقف على خبر وفاته‏.‏ وملك بعده ابنه فخر الدين قرا أرسلان بن داود وملك أكثر ديار بكر مع حصن كيفا‏.‏ وتوفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة‏.‏ وملك بعده ابنه نور الدين محمد بعهده إليه بذلك وكانت بينه وبين صلاح الدين مواصلة ومظاهرة‏.‏ ظاهر صلاح الدين على الموصل على أن يظاهره على آمد فظاهره صلاح الدين وحاصرها من صاحبها ابن سنان سنة تسع وستين وصارت من أعمال نور الدين كما نذكر في دولة صلاح الدين‏.‏ ثم توفي نور الدين محمد سنة إحدى وثمانين وخلف ولدين فملك الأكبر منهما قطب الدين سقمان وأقام بتدبير دولته العوام ابن سماق الأسعد وزير أبيه وكان عماد الدين أخو نور الدين هو المرشح للإمارة إلا أنه سار في العساكر مدداً لصلاح الدين على حصار الموصل‏.‏ فلما بلغه الخبر بوفاة أخيه سار لملك البلد لصغر أولاد أخيه نور الدين فلم يظفر واستولى على خرت برت فانتزعها منهم وملكها وأورثها بنيه‏.‏ فلما أفرج صلاح الدين عن الموصل لقيه قطب الدين سقمان وأقره على ملك أبيه بكيفا وأبقى بيده آمد التي كان ملكها لأبيه وشرط عليه مراجعته في أحواله والوقوف عند أوامره‏.‏ وأقام أميراً من أصحاب ابنه قرا أرسلان اسمه صلاح الدين فقام بأمور دولته‏.‏ واستقر ملكه بكيفا وآمد وما إليهما إلى أن توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة تردى من جوسق له بحصن كيفا فمات‏.‏ وكان أخوه محمود مرشحاً لمكانه إلا أن قطب الدين سقمان كان شديد البغضاء له واشخصه إلى حصن منصور من آخر عملهم واصطفى مملوكه إياساً وزوجه بأخته وجعله ولي عهده‏.‏ ولما توفي ملك بعده مملوكه وشخص أهل الدولة فدسوا إلى محمود فسار إلى آمد وسبقه إياس إليها ليدافعه فلم يطق وملك محمود آمد واستولى على البلد كلها وحبس إياس إلى أن أطلقه بشفاعة صاحب بلاد الروم ولحق به وانتظم في أمرائه واستقل محمود بملك كيفا وآمد وأعمالهما ولقب ناصر الدين وكان ظالماً قبيح السيرة وكان ينتحل العلوم الفلسفية وتوفي سنة تسعة عشر وستمائة وولي مكانه المسعود وحدثت بينه وبين الأفضل بن عادل فتنة‏.‏ واستنجد عليه أخاه الكامل فسار في العساكر من مصر ومعه داود صاحب الكرك والمظفر صاحب حماة فحاصروه بآمد إلى أن نزل عنها وجاء إلى الكامل فاعتقله فلم يزل عنده حبيساً إلى أن مات الكامل فذهب إلى التتر فمات عندهم‏.‏ وأما عماد الدين بن قرا أرسلان الذي ملك خرت برت من يد قطب الدين سقمان ابن أخيه نور الدين فلم تزل في يده إلى أن توفي سنة إحدى وستمائة لعشرين سنة من ملكه إياها‏.‏ وملكها بعده ابنه نظام الدين أبو بكر وكانت بينه وبين ناصر الدين محمود ابن عمه نور الدين صاحب آمد وكيفا عداوة‏.‏ ودخل محمود في طاعة العادل بن أيوب وحضر مع ابنه الأشرف في حصار الموصل على أن يسير معه بعدها إلى خرت برت فيملكها له وكان نظام الدين مستنجداً به الدين قليج أرسلان صاحب بلاد الروم فمات وسار الأشرف مع محمود بعساكره وحاصروا خرت برت في شعبان سنة إحدى وستين وملكوا ربضها‏.‏ وبعث غياث الدين صاحب الروم إلى نظام الدين المدد بالعساكر مع الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط فلما انتهوا إلى ملطية أفرج الأشرف ومحمود عن خرت برت إلى بعض حصون نظام الدين بالصحراء ببحيرة سهنين وفتحت في ذي الحجة سنة إحدى وستين فلما وصل الأفضل بعساكر غياث الدين ووصل الأشرف عن البحيرة راجعاً‏.‏ جاء نظام الدين بالعساكر إلى الحصن فامتنع عليه وبقي لصاحب آمد‏.‏ ثم ملك كيقباد صاحب الروم حصن خرت برت من أيديهم سنة إحدى وثلاثين وانقرض منها ملك بني سقمان والله وارث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون‏.‏

 دولة بني زنكي بن أقسنقر

الخبر عن دولة بني زنكي في أقسنقر من موالي السلجوقية بالجزيرة والشام ومبادئ أمورهم وتصاريف أحوالهم قد تقدم لنا ذكر أقسنقر مولى السلطان ملك شاه وأنه كان يلقب قسيم الدولة‏.‏ وأن السلطان ملك شاه لما بعث الوزير فخر الدولة ابن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة بفتح ديار بكر من يد بن مروان واستنجد ابن مروان صاحب الموصل شرف الدولة مسلم بن عقيل وهزمته العساكر وانحصر بآمد فبعث السلطان عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير ليخالف شرف الدولة إلى السلطان فلقيه في الرحبة وأهدى له فرضي عنه ورده إلى بلده الموصل‏.‏ واستولى بنو جهير بعد ذلك على ديار بكر كما مر في موضعه من دولة بني مروان‏.‏ ثم كان بعد ذلك شأن حلب وأستبد بها أهلها بعد انقراض دولة بني صالح بن مرداس الكلابي وطمع فيها شرف الدولة مسلم بن قريش وسليمان بن قطلمش صاحب بلاد الروم وتتش ابن السلطان ألب أرسلان‏.‏ وقتل سليمان بن قطلمش مسلم بن قريش‏.‏ ثم قتل تتش سليمان بن قطلمش وجاء إلى حلب فملكها وامتنعت عليه القلعة فحاصرها‏.‏ وقد كانوا بعثوا إلى السلطان ملك شاه واستدعوه لملكها فوصل إليهم سنة تسع وسبعين ورحل تتش عن القلعة ودخل البرية‏.‏ واستولى السلطان على حلب وولى عليها قسيم الدولة أقسنقر وعاد إلى العراق فعمرها أقسنقر وأحسن السيرة فيها وسار معه تتش حين عهد له أخوه السلطان ملك شاه فتح بلاد العلوية بمصر والشام ففتح الكثير منها وهو معه كما مر‏.‏ وزحف قبل ذلك سنة ثمانين إلى بني منقذ بشيزر فحاصره وضيق عليه‏.‏ ثم رجع عنه عن صلح وأقام بحلب ولم يزل والياً عليها إلى أن هلك السلطان سنة خمس وثمانين‏.‏ واختلف ولده من بعده وكان أخوه تتش قد استولى على الشام منذ سنة إحدى وسبعين‏.‏ فلما هلك أخوه طمع في ملك السلجوقية من بعده فجمع العساكر وسار لاقتضاء الطاعة من الأمراء معه بالشام وقصد حلب فأطاعه قسيم الدولة أقسنقر وحمل باغيسيان صاحب إنطاكية وتيران صاحب الرها وحران على طاعته حتى يظهر مآل الأمر في ولد سيدهم ملك شاه‏.‏ وساروا مع تتش إلى الرحبة فملكها وخطب لنفسه فيها ثم إلى نصيبين ففتحها عنوة ثم إلى الموصل فهزم صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران وتولى كبر هزيمته أقسنقر وقتل قريش بن إبراهيم وملك الموصل من يده وولى تتش عليها ابن عمته علي بن مسلم بن قريش‏.‏ وسار إلى ديار بكر فملكها ثم إلى أذربيجان‏.‏ وكان بركيارق بن ملك شاه قد استولى على الري وهمذان وكثير من البلاد فسار لمدافعته وجنح قسيم الدولة أقسنقر وبوزان صاحب الرها إلى بركيارق ابن سيدهم فلحقوا به وتركوا تتش فانقلب عائداً إلى الشام ساخطاً على أقسنقر وبوزان ما فعلاه جمع العساكر وسار إلى حلب سنة سبع وثمانين لقتال قسيم الدولة‏.‏ وأمده بركيارق لأمير كربوقا في العساكر فبرزوا إلى لقائهم والتقوا على ست فراسخ من حلب‏.‏ ونزع بعض عساكر أقسنقر إلى تش فاختل مصافه وتمت الهزيمة عليه وجيء به أسيراً إلى تتش فقتله صبراً‏.‏ ولحق كربوقا وبوزان بحلب وتبعهما فحاصرهما وملكها وأخذهما أسيرين كما مر في أخبار الدولة‏.‏ وكان قسيم الدولة حسن السياسة كثير العدل وكانت بلاده آمنة‏.‏ ولما مات نشأ ولده في ظل الدولة السلجوقية‏.‏ وكان أكبرهم زنكي فنشأ مرموقاً بعين التجلة‏.‏ ولما ولي كربوقا الموصل من قبل بركيارق أيام الفتنة بين بركيارق وأخيه محمد كان زنكي في جملته لأنه كان صاحب أبيه‏.‏ وسار كربوقا أيام ولايته لحصار آمد وصاحبها يومئذ بعض أمراء التركمان‏.‏ وأنجده سقمان بن أرتق‏.‏ وكان زنكي بن أقسنقر يومئذ صبياً وهو وفي جملة رجال كربوقا ومعه جماعة من أصحاب أبيه فجلا في تلك الحرب‏.‏ وانهزم سقمان وظهر كربوقا‏.‏ وفي هذه الحرب أسر بن ياقوتي ابن أرتق وسجنه كربوقا بقلعة ماردين فكان ذلك سبباً لملك بني أرتق فيها كما مر في أخبار دولتهم‏.‏ ثم تتابعت الولاة على الموصل فوليها جكرمش بعد كربوقا وبعده جاولي سكاوو وبعده مودود بن أيتكين وبعده أقسنقر البرسقي كما تقدم في أخبار السلجوقية‏.‏ وولاه السلطان محمد بن ملك شاه سنة ثمان وخمسين وبعث معه ابنه مسعوداً‏.‏ وكتب إلى سائر الأمراء هناك بطاعته ومنهم يومئذ عماد الدين زنكي بن أقسنقر فاختص به‏.‏ ولما ملك السلطان محمود بعد أبيه محمد سنة إحدى عشرة كان أخوه مسعود بالموصل كما تقدم أتابكه حيوس بك ونقل البرسقي من الموصل إلى شحنة بغداد‏.‏ وانتقض دبيس بن صدقة صاحب الحلة على المسترشد والسلطان محمود وجمع البرسقي العساكر وقصد الحلة فكاتب دبيس السلطان مسعود وأتابكه حيوس بك بالموصل وأغراهما بالمسير إلى بغداد فسار لذلك مع السلطان مسعود وزيره فخر الملك وأبو علي بن عمار صاحب طرابلس وزنكي بن قسيم ودخل مسعود إلى بغداد وجاء منكبرس إلى بغداد ونزع إليه دبيس بن صدقة‏.‏ ووقعت الحرب بينهما على بغداد كما تقدم في أخبار الدولة‏.‏ وأقام منكبرس ببغداد‏.‏ ثم كان له في خدمة السلطان محمود عند حربه مع أخية مسعود مقامات جليلة‏.‏ وغلب السلطان أخاه مسعودا وأخذه عنده واستنزل أتابكه حيوس بك من الموصل وأعاد إليها البرسقي سنة خمسة عشر فعاد زنكي إلى الإختصاص به كما مر‏.‏ ثم أضاف إليه السلطان محمود شحنة بغداد وولاية واسط مضافة إلى ولاية الموصل سنة ستة عشر فولى عليها عماد الدين زنكي فحسن أثره في ولايتهما‏.‏ ولما كانت الحرب بين دبيس بن صدقة وبين الخليفة المسترشد وبرز المسترشد لقتاله من بغداد وحضر البرسقي من الموصل وعماد زنكي فانهزم دبيس عماد الدين‏.‏ في ذلك المقام‏.‏ ثم ذهب دبيس إلى البصرة وجمع المنتفق من بني عقيل فدخلوا البصرة ونهبوها وقتلوا أميرها‏.‏ وبعث المسترشد إلى البرسقي فعذله في إهماله أمر دبيس حتى فعل في البصرة ما فعل فبادر إلى قصره وهرب دبيس واستولى على البصرة وولى عليها عماد الدين زنكي بن أقسنقر فأحسن حمايتها والدفاع عنها‏.‏ وكبس العرب في حللهم بضواحيها وأجفلوا‏.‏ ثم عزل البرسقي سنة ثمان عشرة عن شحنة بغداد وعاد إلى الموصل فاستدعى عماد الدين زنكي من البصرة فضجر من ذلك وقال كل يوم للموصل جديد يستنجدنا‏.‏ وصار إلى السلطان ليكون في جملته فلما قدم عليه بأصفهان أقطعه البصرة وأعاده عليها من قبله‏.‏ ثم ملك البرسقي مدينة حلب سنة ثمان عشرة وقتل بها سنة تسع عشرة‏.‏ وكان ابنه الدين مسعود بحلب فبادر إلى الموصل وأقام ملك أبيه بها ووقع الخلاف بين المسترشد والسلطان محمود وبعث الخليفة عفيفاً الخادم إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان محمود فسار إليه عماد الدين زنكي من البصرة وقاتله فهزمه ونمى عفيف إلى المسترشد وأقام عماد الدين في واسط وأمره أن يحضر بالعساكر في السفن وفي البر فجمع السفن من البصرة وشحنها بالمقاتلة شاكي السلاح وأصعد في البر وقدم على السلطان وقد تسلحت العساكر فهاله منظرهم ووهن المسترشد لما رأى فأجابه إلى الصلح‏.‏   ولاية زنكي شحنة بغداد والعراق

ولما ظهر من عماد الدين زنكي من الكفاءة والغناء في ولاية البصرة وواسط ما ظهر ثم كان له المقام المحمود مع السلطان محمود على بغداد كما مر ولاه شحنة بغداد والعراق لما رأى أنه يستقيم إليه في أمور الخليفة بعد أن شاور أصحابه فأشاروا به وذلك سنة إحدى وعشرين وسار عن بغداد بعد أن ولاه على كرسي ملكه بأصفهان والله تعالى أعلم‏.‏ قد قدمنا أن عز الدين مسعود بن البرسقي لما قتل الباطنية أباه بالموصل وكان نائبه فبادر إلى الموصل وضبط أمورها وخاطب السلطان محموداً فولاه مكان أبيه وكان شجاعاً قرماً فطمع في ملك الشام فسار وبدأ بالرحبة فحاصرها حتى استأمن إليه أهل القلعة‏.‏ وطرقه مرض فمات وتفرقت عساكره ونهب بعضهم بعضاً حتى شغلوا عن دفنه وكان جاولي مولى أبيه مقدم العساكر عنده فنصب مكانه أخاه الأصغر وكاتب السلطان في تقرير ولايته‏.‏ وأرسل في ذلك الحاجب صلاح الدين محمد الباغيسياني والقاضي أبا الحسن علي ابن القاسم الشهرزوري فأوصى صلاح الدين صهره جقري فيما جاء فيه‏.‏ وكان شيعة لعماد الدين زنكي فخوف الحاجب وحذره مغبة حاله معه‏.‏ وأشار عليه وعلى القاضي بطلب عماد الدين زنكي وضمن لهما عنده الولايات والإقطاع‏.‏ وركب القاضي مع الحاجب إلى الوزير شرف الدين أنو شروان ابن خالد‏.‏ وذكر له حال الجزيرة والشام و استيلاء الإفرنج على أكثرها من ماردين إلى العريش‏.‏ وأنها تحتاج إلى من يكف طغيانهم وابن البرسقي المنصوب بالموصل صغير لا يقوى على مدافعتهم وحماية البلاد منهم‏.‏ ونحن قد خرجنا عن العهدة وأنهينا الأمر إليكم فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فشكرهما واستدعاهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية فذكرا جماعة وأدرجا فيهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه مالاً جزيلاً لخزانة السلطان فأجابهما إليه لما يعلم من كفايته وولاه البلاد كلها وكتب منشوره بها وشافهه بالولاية‏.‏ وسار إلى ولايته فبدأ بالفوارع وملكها‏.‏ ثم سار إلى الموصل وخرج جاولي والعساكر للقائه‏.‏ ودخل الموصل في رمضان سنة إحدى وعشرين وبعث جاولي والياً على الرحبة وولى على القلعة نصير الدين جقري‏.‏ وولى على حجابته صلاح الدين الباغيسياني‏.‏ وعلى القضاء ببلاده جميعاً بهاء الدين الشهرزوري‏.‏ وزاد في إقطاعه‏.‏ وكان لا يصدر إلا عن رأيه‏.‏ ثم خرج إلى جزيرة ابن عمر وبها موالي البرسقي فامتنعوا عليه وحاصرهم‏.‏ وكان بينه وبين البلد دجلة فعبرها‏.‏ وبين دجلة والبلد فسيح من الأرض فعبر دجلة‏.‏ وقاتلهم في ذلك الفسيح‏.‏ وهزمهم فتحصنوا بالأسوار‏.‏ ثم استأمنوا فدخل البلد وملكه وسار لنصيبين‏.‏ وكانت لحسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي صاحب ماردين فاستنجد عليه ابن عمه ركن الدولة داود بمن سقمان صاحب كيفا فوعده بالنجدة وبعث حسام الدين بذلك إلى أهل نصيبين يأمرهم بالمصابرة عشرين يوماً إلى حين وصوله فسقط في أيديهم لعجزهم عن ذلك‏.‏ واستأمنوا لعماد الدين فأمنهم وملكها وسار عنها لسنجار فامتنعوا عليه أولاً‏.‏ ثم استأمنوا وملكها‏.‏ وبعث منها إلى الخابور فملك جميعه‏.‏ ثم سار إلى حران‏.‏ وكانت الرها وسروج والبيرة في جوارها لإفرنج وكانوا معهم في ضيقة فبادر أهل حران إلى طاعته‏.‏ وأرسل إلى جوسكين وهادنه حتى يتفرغ له فاستقر بينهما الصلح‏.‏ والله

  استيلاء الأتابك زنكي على مدينة حلب

كان البرسقي قد ملك حلب وقلعتها سنة ثماني عشرة‏.‏ واستخلف عليها ابنه مسعود‏.‏ ثم قتل الباطنية البرسقي بالموصل فبادر ابنه مسعود إلى الموصل‏.‏ واستحلف حلب الأمير قرمان‏.‏ ثم عزله وبعث بولايتها إلى الأمير قطلغ أبه فمنعه قرمان وقال بيني وبينه علامة لم أرها في التوقيع فرجع إلى مسعود فوجده قد الرحبة فعاد إلى حلب مسرعاً ومال إليه أهل البلد ورئيسها مضال بن ربيع وأدخلوه وملكوه واستنزلوا قرمان من القلعة وأعطوه ألف دينار وبلغوه مأمنه‏.‏ وملك قطلغ القلعة والبلد منتصف إحدى وعشرين‏.‏ ثم ساءت سيرته وفحش ظلمه واشتمل عليه أشرار فاستوحش الناس منه وثاروا به في عيد الفطر من السنة وقبضوا على أصحابه‏.‏ وولوا عليهم بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان ملكها من قبل وحاصروا قطلغ بالقلعة‏.‏ ووصل حسان صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لإصلاح الأمر فلم يتم‏.‏ وزحف جوسكين صاحب الرها من الإفرنج إلى حلب فصانعوه بالمال ورجع فزحف صاحب إنطاكية وحاصر البلد وهم يحاصرون القلعة إلى منتصف ذي القعدة من آخر السنة‏.‏ وانتهى عماد الدين زنكي إلى صاحب حران كما ذكرناه فبعث إلى أهل حلب ن من أصحابه بتوقيع السلطان له بالموصل والجزيرة والشام فبادروا إلى الطاعة‏.‏ وسار إليه بدر الدولة ابن عبد الجبار وقطلغ أبه‏.‏ وأقام أحد الأميرين بحلب‏.‏ ولما وصلا إلى عماد الدين أصلح بينهما وأقاما عنده‏.‏ وبعث الحاجب صلاح الدين محمد الباغسياني في عسكر إليهما فملك القلعة ورتب الأمور وولى‏.‏ ثم وصل عماد الدين بعده محرم سنة اثنتين وعشرين وملك في طريقه منبج من يد حسان ومراغة من يد حسن‏.‏ وتلقاه أهل حلب فاستولى وأقطع أعمالها للأمراء والأجناد ثم قبض على قطلغ أبه وأسلمه إلى ابن بديع فلحق ومات واستوحش ابن بديع فلحق بقلعة جعبر مستنجداً بصاحبها وأقام عماد الدين في مكانه في رياسة حلب علي بن عبد الرزاق وعاد إلى الموصل والله أعلم‏.‏

  استيلاء الأتابك زنكي علي مدينة حماة

ثم سار عماد الدين زنكي لجهاد الإفرنج وعبر الفرات إلى الشام‏.‏ واستنجد تاج الملوك بوري بن طغركين صاحب دمشق فأنجده بعد التوثق باستحلافه‏.‏ وبعث عسكره من دمشق إلى ابنه سونج وأمره بالمسير إلى زنكي فلما وصلوا إليه أكرمهم‏.‏ ثم غدر بهم بعد أيام وقبض على سونج والأمراء الذين معه فاعتقلهم بحلب ونهب خيامهم وبادر إلى حماة وهي خلو من الحامية فملكها وسار عنها إلى حمص وصاحبها قيرجان بن قراجا معه في عساكره وهو الذي أشار بحبس سونج وأصحابه فقبض عليه يظن أن أهل حمص يسلمون بلادهم إليه فامتنعوا وبعث إليهم قيرجان بذلك فلحق إليها فحاصرها مدة وامتنعت عليه فعاد إلى الموصل ومعه سونج بن بوري والله أعلم‏.‏ فتح عماد الدين حصن الأتارب وهزيمة الإفرنج ولما عاد عماد الدين إلى الموصل أراح عساكره أياماً ثم تجهز سنة أربع وعشرين إلى الغزو وعاد إلى الشام وقصد حلب واعتزم على قصد حصن الأتارب وهو على ثلاثة فراسخ من حلب‏.‏ وكان الإفرنج الذين به قد ضيقوا على حلب فسار إليه وحاصره وجاء الإفرنج من إنطاكية لدفاعه‏.‏ واستفرغوا فتبعهم وترك الحصن وسار إليهم واستمات المسلمون فانهزم الإفرنج وأسر كثير من زعمائهم وقتل كثير حتى بقيت عظامهم ماثلة بذلك الموضع أكثر من ستين سنة‏.‏ ثم عاد إلى حصن الأتارب فملكه عنوة وخربه وتقسم جميع من فيه بين القتل والأسر وسار إلى قلعة حارم قرب إنطاكية وهي للإفرنج فحاصرها حتى صالحوه على نصف خراجها فرجع عنها‏.‏ وملئ الإفرنج رعباً منه ومن استبداد المسلمين به وذهب ما كان عندهم من الطمع‏.‏ واقعة عماد الدين مع بني أرتق ولما فرغ عماد الدين من غزو الإفرنج وفتح الأتارب وقلعة حارم عاد إلى الجزيرة وحاصر مدينة سرخس وهي لصاحب ماردين بينها وبين نصيبين فاجتمع حسام الدين صاحب ماردين وركن الدولة صاحب آمد وهما لأبي الغازي صاحب ماردين بن حسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي وصاحب كيفا ركن الدولة داود بن سقمان وتمرتاش بن أرتق‏.‏ وجمعوا من التركمان نحواً من عشرين ألفاً‏.‏ وساروا لمدافعة زنكي فهزمهم وملك سرخس وسار ركن الدولة إلى جزيرة ابن عمر لينهبها فاتبعه عماد الدين فرجع إلى بلده فعاد عنه لضيق مسالكه‏.‏ وملك من قلاعه همرد ورجع إلى الموصل إلى آخره‏.‏